الشيخ سديد الدين الحمصي الرازي

379

المنقذ من التقليد

فان قيل : كيف يصحّ قولكم إنّ هذه الشرعيّات مصالح لنا وألطاف وإنّها تدعونا إلى الواجبات العقليّة وتصرفنا عن القبائح العقلية ؟ والشيء لا يدعو إلى غيره إلّا إذا كان بينهما مناسبة ، فأيّ نسبة بين هذه الشرعيّات وبين هذه العقليّات ؟ ثمّ كيف يصحّ أن يتفق في الخلق الكثير من لدن عصر النبيّ عليه السلام إلى انقراض التكليف أن تكون هذه الشرعيّات بأعيانها مصالح وألطافا لهم ؟ أو لستم تقولون إنّ العادة مانعة من أن يجتمع الخلق الكثير على شيء واحد ؟ كتناول طعام مخصوص في وقت واحد والتزيي بزي واحد اتّفاقا من غير جامع يجمعهم على ذلك من تواطؤ وما يجري مجراه . وعلى هذا بنيتم أدلّتكم على إثبات معجزات نبيّكم التي هي سوى القرآن وعلى النصوص على أئمتكم ، فإذا منعت العادة من ذلك وجب أن نمنع من هذا لأنّهما سيّان . قلنا : أمّا الجواب عن السؤال الأوّل فهو أن نقول : قد علمنا أنّ اللّه تعالى لا يتعبّدنا إلّا بما يكون لنا فيه مصلحة ولطف من حيث انّه لا يوجب علينا إلّا ما ثبت فيه وجه وجوب ، لأنّ إيجاب ما لا يثبت فيه وجه وجوب يجري مجرى الكذب في القبح ، ووجوه الوجوه معقولة مضبوطة محصورة . فأمّا أن يجب الشيء لأمر يخصّه ، كردّ الوديعة وقضاء الدين وشكر النعمة ، وأمّا أن يجب لأمر يرجع إلى الغير ، كدفع المضرّة ، لأنّ دفع المضرّة إنّما يجب لكونه دفعا لمضرّة هي غيره ، وقد علمنا أنّ هذه الشرعيّات لا تجب لوجوه ما يختصّها ، لأنّها ليست بصفة ردّ الوديعة وقضاء الدين . وهي وإن تضمنت شكر النعمة إلّا أنّ شكر النعمة لا يجب أن يكون بصفة هذه العبادات الشرعيّة . فعلمنا بهذه الجملة أنّها إنّما تجب لأمر يعود إلى الغير ، وهو كونها مصالح وألطافا لنا وكونها جارية مجرى دفع المضرة . إذا ثبت هذا وتقرّر ، علمنا أنّ بين هذه الشرعيّات وبين العقليّات مناسبة على الجملة ، وإن لم نعلمها على سبيل التفصيل هذا ، كما أنّا إذا علمنا أنّ